القائمة الرئيسية

الصفحات

المكتبة القانونية

صلاحيات قاضي التحقيق في البحث الجنائي

أساليب البحث الجنائي صلاحيات قاضي التحقيق في البحث الجنائي يحمل قاضي التحقيق صفة ضابط الشرطة القضائية، وهو يقوم بدوره بإجراءات معمقة للبحث وقد خول له القانون هذه الصلاحيات للحفاظ على حسن سير البحث، و هو يعمل في إطار تقديم ملتمسات للنيابة العامة لمباشرة أعماله، وسنتناول في الفقرات الموالية الصلاحيات المخولة قانونا. قاضي التحقيق قرارات قاضي التحقيق بعد انتهاء التحقيق اوامر قاضي التحقيق وطرق الطعن فيها اجراءات التحقيق الجنائي المسطرة الجنائية,الاعتقال الاحتياطي,قانون المسطرة الجنائية,القانون,المسطرة المدنية,التحقيق في الجنايات,التحقيق في الجنح,قاضي التحقيق,آجال الاعتقال الاحتياطي,النيابة العامة - القضاء,الجامعة قانون المسطرة الجنائية التحقيق التمهيدي التحقيق الإعدادي القانون المغربي

يحمل قاضي التحقيق صفة ضابط الشرطة القضائية، وهو يقوم بدوره بإجراءات معمقة للبحث وقد خول له القانون هذه الصلاحيات للحفاظ على حسن سير البحث، و هو يعمل في إطار تقديم ملتمسات للنيابة العامة لمباشرة أعماله، وسنتناول في الفقرات الموالية الصلاحيات المخولة قانونا.

الفقرة الأولى: استدعاء الشهود

مازالت الشهادة في المجال الجنائي تحتفظ بدورها الهام وقيمتها الكاملة لأن مجالها هو الوقائع المادية التي لا يمكن إثباتها إلا بالشهادة أو بطرق الإثبات الأخرى، فشهادة الشهود هي الطريق العادي للإثبات الجنائي لأنها تنصب في المعتاد على حوادث عابرة تقع فجأة لا يسبقها تراض أو اتفاق، وبالتالي لا يتصور إثباتها مقدما أو إقامة الدليل عليها، وإنما يعمل مرتكبها على اقترافها في الخفاء ويحرص على الهروب وإزالة كل ما يمكن أن يتخلف عنه من آثار تساعد على إدانة مرتكب الفعل الإجرامي.
والشهادة عند اعتمادها يجب أن تأخذ بعين الحذر لعدة اعتبارات، سنتعرف عليها من خلال أنواع الشهود الآتي ذكرهم.
- شهود عيان وهم قليلون جدا حيث إنهم يرون الجريمة كاملة، وبالتالي فهم يشكلون مصدرا غنيا من المعلومات المفيدة في البحث وبمقدورهم أن يثبتوا أو ينفوا التهمة عن المتهمين.
ويمكن اعتبار من قبيل الشهود الأشخاص الذين لهم علاقة بالضحية من قريب أو من بعيد كالجيران، و زملاء العمل، والأقارب وحتى العائلة، لكن شهادتهم يجب أن تأخذ على سبيل الاستئناس، عند صدور الأمر باستدعاء الشهود، فإن هذا الاستدعاء يجب أن يمر بمسطرة خاصة وتتم برسالة مضمونة أو بالطريقة الإدارية أو بواسطة أعوان القوة العمومية أو الأعوان القضائيين كما يمكن للشاهد الحضور بمحض إرادته، فإن رفض الشاهد الحضور للإدلاء بشهادته تطبق عليه في هذه الحالة مقتضيات المادة 128 من قانون المسطرة الجنائية التي تنص على أنه إذ لم يحضر الشاهد رغم توجيه استدعاء ثان له بنفس الطريقة الأولى، فإن القاضي بناء على ملتمسات النيابة العامة يجبره على الحضور بواسطة القوة العمومية إضافة إلى غرامة مالية تترواح بين 1200 و 12000 درهم.
أما في حالة وصول الشاهد، فإنه من اللازم القيام ببعض الإجراءات الروتينية التي تكون لقاضي التحقيق فكرة عامة عن الشخص المستجوب منها اسمه الثلاثي أو الرباعي، و سنه، و حالته العائلية، ومهنته، و محل إقامته، و سوابقه القضائية (الرجوع إلى السجل العدلي)، في حالة إن كان له سوابق يجب التأكد هل تم تنفيذها أم أنه مطلوب للتنفيذ، وعلاقته بالحادث و  بالجاني أو المجني عليه.
وسنشير للأشخاص الذين لهم إمكانية الشهادة، لكن قبل ذلك يفضل معرفة هل تقتصر الشهادة على ما رأته العين أو يمكنها أن تتعدى هذه الحدود.
فالشهادة تعتمد بالأساس على القدرات الذهنية للشاهد و تتغير من حيث القوة والضعف بدرجة ملحوظة منذ ميلاد الشخص حتى مماته، على اعتبار أن كل فترة في العمر تتأثر بالتغييرات البيولوجية والفسيولوجية للشخص، فدرجة إلمام الطفل بالشهادة تختلف عن غيره، كما أن المرأة بمجرد سماع مخفر الشرطة فإنها تكون ضحية الاضطراب، و شهادة الشخص المحتضر هي أيضا يمكنها أن تكون السبيل الوحيد لفك لغز القضية وخاصة إن كان هذا الشخص هو سبب وفاته.
و من الضروري إدراج جميع الحواس في الشهادة حيث إن الشخص الضرير يمكنه أن يشهد بما سمعه، و بالنسبة لحاسة الشم يمكن أن يثبت شخص أنه شم رائحة الكحول أو بعض المخدرات الأخرى في مكان معين، ونفس الشيء ينطبق على الحواس الأخرى، لكن كلامي لا يعني أخذها بحذافرها بل يجب التعامل معها تعاملا جد حذر، وهنا يظهر دور الباحث الجنائي المتمرس في استخراج كل ما يحتاج إليه بنوع من الذكاء ودون استعمال للعنف أو الإخلال بحقوق الأشخاص المطلوبين للشهادة، و من الأشياء التي يجب أن يتنبه إليها الباحث هي استدعاء الشاهد والقضية ما تزال حية جديدة أخذا بعين الاعتبار أن مرور مدة معينة تجعل الشخص يحرف الأشياء إما لأنه نسي أو أنه أراد تضليل العدالة...الخ، ولا يجب إغفال نقطة مهمة في حالة كون القضية لها صدى واسعا ووصلت إلى الصحافة، فإن ما يكون مكتوبا يمكن أن يؤثر على شخصية الشاهد و وقوعه في الزيادة أو النقصان وسنتعرض لأنواع الشهود والمؤثرات التي يمكنها أن تساهم في قول حقيقة أو كذب الشاهد، ولا يمكن نسيان ملحوظة مهمة متداولة وخاصة في المجتمعات النامية ونذكر منها المغرب وهم الشهود المستأجرون وهي آفة يعاني منها المجتمع وهذه الفئة تقوم بشهادات الزور ويمكنها أن تكون السبب في إدانة أو إخلاء سبيل المتهم لذلك يجب تسخير جميع الجهود لمعرفة ما إذا كان الشاهد حقيقا أو مستأجرا و في حالة الاستماع للشاهد الطفل أو المرأة أو الشيخ المسن يجب أخذ مجموعة من الاحتياطات وأن يكون هناك تعامل خاص معهم لأن التأثير يكون سهلا و يمكن أن يساهم بشكل مباشر في أقوالهم.
1- شهادة الأطفال:
بعد الدراسة السيكولوجية التي أجريت على هذه الفئة تبين أن الطفل في بداية حياته يكون آلة لالتقاط المعلومات، لأنه يستقي المعلومات من العالم الخارجي ثم يدخلها إلى ذاكرته، وهنا يقوم بعملية المونتاج بمزج ما هو حقيقي بما هو خيالي وإخراجه إلى حيز الوجود بطريقته الخاصة، ولا يمكن اغفال البيئة التي نشأ فيها هذا الطفل (غنى- فقر، تربية- إهمال...).
بالنسبة لطريقة استجواب الأطفال، يجب عدم توجيههم بالأسئلة لأن كل سؤال إضافي يزيد من تقوية ملكة الخيال لديهم، و بالتالي فإنه يجب ترجيح احتمال كذب الطفل الشاهد( )، وبالتالي على الباحث استبعادها إلى حين ثبوت صحتها بالطرق الأخرى للبحث.
2- شهادة النساء:
شهادة النساء تؤثر عليها العاطفة حيث إنها تتمتع بسرعة حبها و سرعة كرهها، فالأولى يمكن أن تكون نتيجة معرفتها للأشخاص الضحايا وارادت التعاطف والعكس بالعكس، وبالتالي يجب أخذ الحيطة والحذر من أقوالها ولهذا رجحت شهادة الرجل على شهادة المرأة لقوله تعالى "واستشهدوا شهيدين من رجالكم فـإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى".
3- شهادة الشيوخ:
يمكن للشيخوخة أن تؤثر سلبا على القوى العقلية للشخص، وبالتالي فهناك نسبة كبيرة تحتمل هامش الخطإ عندهم، وهذا لا يعني أننا نشكك في القدرات العقلية لهذه الفئة، لكن من الضروري التمحيص في المعلومات المحصلة منهم( ).
أما الشهود العاديون، فيجب أن يترك لهم هامش الكلام بكل حرية ودون تدخل وبعد الانتهاء من أقوالهم يقوم السيد قاضي التحقيق بإعادة مسطرة الاستجواب، وهنا تدخل مرحلة التوجيه، والتصدي لأي محاولة للتضليل والابتعاد عن وقائع القضية، وعلى الباحث الرجوع إلى نقط الخلل والتناقضات الواردة على كلامه ، أوجه التفرقة بين ما صرح به وما جاء به الآخرين (الضحايا، المتهمين...) ومواجهته بها وأخذ أقواله بما وجه إليه، السرعة في توجيه الأسئلة وعدم ترك مجال للشخص المستجوب( ).
بعد استيفاء الاستجواب بطريقة (سؤال، جواب) يعطى المحضر للشاهد ليقرأه بنفسه أو يقرأ من قبل المستجوب ليعطي ملاحظاته عنه أو إبداء آراء أخرى نسيها أثناء الاستجواب، ثم يطلب منه التوقيع على أقواله هذا من جهة، ومن جهة أخرى هناك احتمال لأمية الشاهد في هذه الحالة يقرأ على مسامعه ما صرح به، ثم يقوم بالتوقيع فإذا كان يجهل هذا الأخير بدوره فيمكنه وضع بصمة الإبهام مع تضمين أنه يجهل القراءة و الكتابة و التوقيع.

الفقرة الثانية: استنطاق المتهم ومواجهته مع الغير.

الاستنطاق إجراء ضروري يقوم به سواء ضباط الشرطة القضائية العاديون الذين يقومون بالأبحاث الأولية، أو ضباط الشرطة القضائية السامون ومنهم قاضي التحقيق، وهو مركز دراستنا في هذه الفقرة الذي يجب أن يكون ملما بتقنيات المقابلة التي تساعده في استجواب المتهم و معرفته ببعض قواعد علم النفس، فالمستجوب يتعامل مع ردود أفعال نفسية، وعليه فالعلوم الإنسانية ضرورية للتعامل مع الأشخاص الميالين للأفعال الإجرامية، يعني أنه من الأهمية أن يعالج المستجوب حالة نفسية كما سبق الذكر وهي تمكنه من استجماع الأسرار الدفينة بشخصية المستجوب، ويقوم بدراستها وتحليلها لفهم السلوكيات غير السوية والتي أدت به لارتكاب الفعل الإجرامي المنسوب إليه.
إذن فإن الاستجواب أو المقابلة التي تجري بين قاضي التحقيق والمتهم، تتركز على ردود أفعال مختلفة، و التي ترشدنا لصلب الموضوع، وبالتالي الوصول إلى الحقيقة التي يستعصى على الباحث معرفتها بواسطة ما هو نظري، وهذه المقابلة تتمتع بكونها تطبع بطابع مهيكل ومنظم مسبقا لنوعية الأسئلة المطروحة ورؤية كيفية الإجابة عنها من قبل المتهم.
وتعتبر هذه الطريقة الحديثة في تسيير البحث من الطرق التي أصبحت تحافظ على كرامة الأشخاص واحترام العلوم الأخرى المساعدة لمجال العلوم الجنائية، وما جاءت به من وسائل ناجعة ومجدية في خدمة العدالة الجنائية، وهذا لا يعني أن ننفي المصداقية عن الطرق التقليدية التي كانت وما تزال مستعملة، فهي أيضا لها صيتها وقيمتها في المجال الجنائي.
الاعتراف كمصطلح لم يعد يعتد به كما كان في السابق حيث إنه كان سيد الأدلة، أما حاليا يجب أن يقرن هذا الاعتراف بوسائل الإثبات الأخرى.
ولا يمكن أن يكون في غالب الأحيان الاعتراف ضمنيا، حيث إن الواقع العملي يدل على أن العديد من الأشخاص يعترفون على أنفسهم زورا، رغبة منهم في تبرئة ذمة المجرم الحقيقي، لعدة اعتبارات منها محبته الشديدة للجاني أو المصلحة أو رغبة منه في كسب أمول من قبل الجاني أو أقاربه لحاجته الماسة للمال لذلك يجب على الباحث أن يكون فطنا.
عند القيام بجميع الإجراءات الضرورية والانتهاء من استجواب المتهم، يجب الرجوع إلى المحضر المنجز من طرف ضباط الشرطة القضائية، و إجراء مقارنة لمعرفة ما إن كانت تصريحاته أمام قاضي التحقيق تتطابق مع محضر الضابطة القضائية، وما إن كان هناك تحريف وبالتالي معرفة سبب التغيير الذي طرأ على أقواله ومواجهته بما قيل سابقا، و الأشخاص المتورطون في نفس القضية، وهناك حالة تقع بالنسبة لاعتراف متهم على متهم آخر، فما موقع هذا الاعتراف هل يجوز اعتراف متهم على متهم؟ الاعتراف يقع على الشخص نفسه فقط و إن ما أورده يعتبر من قبيل شهادة متهم على متهم وهي شهادة جائزة وهناك قرار للمجلس الأعلى يؤيد هذا الرأي بالإضافة إلى أن هذه الشهادة تكون لها نسبة قليلة من الصحة، لأنها يمكن أن تكون بمثابة الشهادة الكيدية هذا فيما يتعلق باستجواب المتهم، لكن بقي شق مهم من الاستجواب، هو الضحية سنحاول إدراجها أيضا كي لا يكون هناك قصور في البحث من هذه الجهة.
استجواب الضحية: باعتبار الضحية هي من وقع عليها الاعتداء فعادة ما تأخذ أقوالها لأن رغبتها في الانتقام من الشخص الذي قام بالفعل الإجرامي ضدها دافع قوي لتوجيه أصابع الاتهام إليه، مثلا في جرائم الاغتصاب وهتك العرض أو الجرائم  الجنسية بصفة عامة، والتي تتميز نسبيا بسرعة إثباتها من خلال الأضرار الناتجة عن الجريمة خاصة آثار المقاومة و التي يخلفها جسم المعتدي...، مما سبق فالضحية تعد مصدرا غنيا للمعلومات والإرشادات المفيدة للبحث.
- الفاعل أو الفاعلون، أوصافهم، المكان الذي ارتكبوا فيه الجريمة، طريقة كلامهم، وسائل النقل المستعملة، الأدوات والأسلحة... .
بعد المرور بهذه السلسلة من الإجراءات، نكون قد أقفلنا باب الاستجوابات للانتقال إلى إجراء آخر لا يقل أهمية عما ذكر سالفا ألا وهو إجراء التنقل والتفتيش وحجز ما هو صالح للإثبات هذا ما سنحاول دراسته من خلال الفقرة الموالية.

الفقرة الثالثة : التنقل والتفتيش والحجز

لقد أعطى المشرع لقاضي التحقيق الحق في أن ينتقل إلى أي مكان ليقوم بالتحريات المفيدة، ويعتبر الانتقال من إجراءات التحقيق شأنها شأن باقي الإجراءات، التي ينجزها القاضي لإظهار الحقيقة أو القيام بالتفتيش شريطة إشعار النيابة العامة التي يكون لممثلها الخيار في مرافقته .
برجوعنا للمادة 99 من قانون المسطرة الجنائية ، نجدها قد نصت على أنه يتعين أن يساعد قاضي التحقيق ويرافقه دوما كاتب الضبط، كما يلزم تحرير محضر بما تم إنجازه من عمليات.
وباعتبار التفتيش من الضروريات التي يجب القيام بها فإنه من الضروري احترام مجموعة من الضوابط القانونية ومن جملة هذه الضوابط:
1- احترام أوقات التفتيش:
برجوعنا للمادة 62 من قانون المسطرة الجنائية، نجد ما يلي:"لا يمكن الشروع في تفتيش المنازل أو معاينتها قبل الساعة السادسة صباحا وبعد التاسعة ليلا، إلا إذا طلب ذلك رب المنزل أو وجهت استغاثة من داخله، أو في الحالات الاستثنائية التي ينص عليها القانون، غير أن العمليات التي ابتدأت في ساعة قانونية يمكن مواصلتها دون توقف.
إذا تعلق الأمر بجريمة إرهابية واقتضت ذلك ضرورة البحث أو حالة الاستعجال القصوى أو إذا كان يخشى اندثار الأدلة، فإنه يمكن الشروع في تفتيش المنازل أو معاينتها بصفة استثنائية قبل الساعة السادسة صباحا أو بعد الساعة التاسعة ليلا بإذن كتابي من النيابة العامة.
لا تطبق هذه المقتضيات إذا تعين إجراء التفتيش في محلات يمارس فيها عمل أو نشاط ليلى بصفة معتادة".
جاء النص واضحا وصريحا وخصوصا في تحديد وقت التفتيش، حيث إنه لا يجوز مخالفة هذه الأوقات وإلا انطبق عليها البطلان أو المساءلة القانونية بحجة انتهاك حرمة منزل، لكن هناك استثناءات واردة وهي المعدلة بموجب القانون 03-03 المتعلق بالجريمة الإرهابية( ) أي حالة الاستعجال القصوى والجرائم المتعلقة بأمن لدولة، الذخيرة... أي كل ما له خطورة كبيرة على أمن وسلامة المجتمع.
وهذا غني عن البيان بالنسبة لضابط الشرطة القضائية، الذي يشرع في التفتيش داخل الوقت القانوني ويستمر فيه لما بعد هذا الوقت يكون تفتيشه صحيحا، وقد أكد المشرع عليه صراحة، كما أن الضابط إذا شرع مثلا قبل الخامسة صباحا في إجراء تفتيش منزل وأنهاه على الساعة السابعة صباحا، فإن تفتيشه يكون باطلا سواء الذي أنجزه قبل الوقت القانوني أو الذي يأتي بعده تأسيسا على أن العبرة هي بوقت الشروع في التفتيش الذي لم يكن مشروعا مما ينتج عنه فساد العملية بأكملها( ).
ونؤيد الدكتور العلمي في طرحه الذي يقر أن ما بني على باطل فهو باطل وحرمة الأشخاص وحريتهم في منازلهم هي حرية مقدسة ومحمية بقوة الدستور المغربي في مادته 10 و في القانون الجنائي، في مادتيه 230 و441 ( )، فحق الإنسان له وزنه في الترسانة القانونية المغربية والعالمية أيضا. مما سبق يتأكد لنا أن التفتيش يتعين أن يشرع فيه قبل التاسعة ليلا وبعد السادسة صباحا إلا إذا كان هناك استغاثة من صاحب المنزل أو بعض الاستثناءات الأخرى السابق ذكرها، فإذا كان التفتيش سيتم إجراؤه في منزل غير المتهم، فإن المادة 103 من قانون المسطرة الجنائية تستوجب استدعاء صاحب المنزل أو من يشغله للحضور في التفتيش، فإن تغيب أو رفض، أجري التفتيش بحضور شخصين من أقاربه أو أصهاره الموجودين بالمكان، وإلا فبحضور شاهدين لا تربطهما بالسلطة القضائية أو بالشرطة القضائية أي علاقة تبعية( ).
في حالة إجراء التفتيش في أماكن يشغلها شخص يلزمه القانون بكتمان السر المهني، فإنه من واجب القاضي أن يتخذ جميع التدابير والاحتياطات اللازمة من أجل احترام السر، وإذا استلزمت القضية إجراء تفتيش في مكتب محام فإن قاضي التحقيق يجب أن يحضر بنفسه أوينتدب قاضيا آخر مع حضور ممثل النيابة العامة ويقوم بنفسه بإجراء عملية التفتيش بحضور نقيب المحامين أو من ينوب عنه، أو بعد إشعاره بأي وسيلة من الوسائل الممكنة بموجب المادة 103 من قانون المسطرة الجنائية.
2-الحجز:
إذا تبين أثناء التفتيش أن بعض الأشياء الموجودة يمكن أن تفيد القضية بأي شكل من الأشكال، فإن لقاضي التحقيق حجزها وفق ما تنص عليه المادة 59 من قانون المسطرة الجنائية، من إحصاء للمحجوزات ووضع للأختام ولا يحق سوى لقاضي التحقيق وضابط الشرطة القضائية المنتدب من طرفه الإطلاع على الوثائق قبل حجزها، ماعدا إذا كانت المحجوزات نقودا أو سبائك أو سندات أو قيم أو أوراق تجارية، وكان الاحتفاظ بها غير مؤثر في القضية فلقاضي التحقيق أن يأذن لكاتب الضبط بإيداعها إما بصندوق الإيداع والتدبير وإما في بنك المغرب( ), بعد عملية الحجز تأتي عملية عرضها على المتهم، بحيث أنه لا يمكن فتح الأختام وفرزها إذا تعذر حضوره لأي سبب من الأسباب.
في حالة ما أجري الحجز لدى الغير، فإن هذا الغير يدعى لحضور العملية ولا يمكن لقاضي التحقيق أن يبقى تحت الحجز سوى الأشياء التي يراها ضرورية لإظهار الحقيقة (م104 ق م ج) ومن وجهة نظرنا أن ما جاءت به هذه المادة هي من أكبر الضمانات التي تمنح للمتهم على اعتبار أنها تحافظ له على أسرار مهنته إن كانت تستوجب احترام السر المهني.
كما أن مقتضيات المادة 106 جاءت لتتم ما بدأت به المادة السابقة الذكر، حيث إنه إذا طلب المعنيون بالأمر تسلم نسخة من الوثائق المحجوزة، فإن لقاضي التحقيق أن يأذن بذلك بعد المصادقة من كاتب الضبط على مطابقتها للأصل، ما لم يتعارض مع مقتضيات التحقيق، ويجوز للمتهم وكل شخص آخر يدعى أن له حقوقا على شيء محجوز أن يقدم طلبا لقاضي التحقيق لاسترجاعه أو استرداد ثمنه إذا كان قاضي التحقيق قد باعه خشية فساده أو تلفه أو تعذر الاحتفاظ به، ويبلغ كل طلب بالاسترداد يقدمه المتهم للنيابة العامة أو الأطراف الأخرى على أن يقدم هؤلاء ملاحظاتهم داخل أجل 3 أيام من تاريخ التبليغ.
لقاضي التحقيق أن يبت بأمر معلل داخل ثمانية أيام فيما قدم له من طلبات باسترداد الأشياء المحجوزة بتقديم ملتمس للنيابة العامة، وهناك إمكانية للطعن في قرار قاضي التحقيق داخل أجل 10 أيام من تاريخ تبليغه لهم، و هذا الطعن لا يؤثر على سير القضية بأي شكل وفي حالة إذا كان طلب الاسترداد صادرا عن الغير، فله أن يوجه كباقي الأطراف ملاحظاته المكتوبة إلى الغرفة الجنحية، لكن لا يحق له المطالبة بوضع ملف الإجراءات رهن إشارته.
يبقى قاضي التحقيق في جميع الأحوال هو المختص بالبت في رد الأشياء المحجوزة، ولو بعد صدور قرار بعدم المتابعة المادة 7 من قانون المسطرة الجنائية.
والمشرع حينما أقر ضرورة المحافظة على السر المهني أوجد عقوبة لكل مخل به.
إذن رغم تداخل البحث إلا أن لكل مرحلة مميزات وظروف الاشتغال فيها، والمشرع كان صارما في إصدار نصوص تضمن حقوق الإنسان وتحافظ على حريته في أغلب الأحوال، باستثناء الحالات التي تكون شاذة كالجرائم الإرهابية، و السلاح، والتسمم، والمخدرات وغيرها من الحالات التي لا تحتمل الانتظار، وبالتالي فالإنسان في هذه الحالة هو السباق للحد من هذه الضمانات. في بعض الأحيان يكون التدخل من قبل السلطات من تفتيش و حجز قبل ارتكاب الفعل الإجرامي أي التحضير لارتكاب الفعل الإجرامي، وتكون أغلب هذه الحالات في الجرائم الإرهابية، ومن بين هذه القضايا قضية عين الشبيك التي تم تفكيكها قبل تنفيذ الفعل وتسمى هذه الخطة بالسياسة الوقائية القبلية، والانتقال في هذه الحالات لا يكون بطريقة عشوائية بل تكون منطلقة من مجموعة من الإجراءات منها استصدار أمر من النيابة العامة ومرافقتهم للضابطة القضائية للتأكد من أن المنزل المبلغ عنه مخصص لهذه الأعمال، فحرمة المنزل لا تعود قائمة للحفاظ على الأمن العام. وهذا لا يعني أن كل شيء يؤدي إلى تفتيش المنازل، بل يجب التأكد من المعلومة أولا ثم توفر أدلة مقنعة للقيام بهذا التفتيش، انطلاقا مما سبق فإن الباحث الجنائي يتولى إجراء التحريات وجمع المعلومات بنفسه، ومساعدة الأشخاص الساهرين على الأمن لكشف غموض الحوادث المبلغ عنها، فالبحث لا يتوقف عند الاستدعاء والاستنطاق والتنقل والتفتيش والحجز بل إن الانتشار الواسع للجريمة أوجد طرقا جديدة للبحث، ومن بينها التقاط المكالمات الهاتفية ووسائل الاتصال عن بعد وكذلك طلب الخبرة، وهذه الأخيرة كما سنرى هي ليست بحديثة لكن أنواعها أصبحت تتميز بالجدة .

مواضيع قد تهمك :
هل اعجبك الموضوع :