مفهوم المقاولة والشركة: التعريف والتمييز والوظائف

يتطرق هذا الموضوع ل: مفهوم المقاولة ومفهوم الشركة والفرق بين المقاولة والشركة، بالإضافة إلى ذكر أغلب نقاط نقاط التمييز ووظائفهم.


المقاولة والشركة: التعريف والتمييز والوظائف

مفهوم المقاولة والشركة


من إعداد: مهديوي المهدي ماستر قانون المقاولة: السويسي-الرباط.

لقد أصبحت المقاولة منذ سبعينيات (1970) القرن الماضي، كإحدى الأليات الاقتصادية لتحقيق الربح بشكل منظم، وكواقع للممارسة الاقتصادية في العديد من الميادين.


ولعل السبب الرئيس في إيلاء هذه الأهمية للمقاولة، راجع لتعقد الحياة الاقتصادية، و عجز الفرد لوحده عن المنافسة، والوقوف أمام تيار العولمة، وتفاديا لمخاطر الوفاة والمرض والعجز والشيخوخة التي تصيب الفرد، دون الشخص الاعتباري كالمقاولة والشركة، وبالتالي فهما ضمان للاستمرار والإنتاج.


ورغم كل ما يمكن أن يقال عن المقاولة، إلا أن الإشكال الذي يطرح في كل حين، هو هل لهذه الأخيرة من مفهوم خاص، وإن أمكن ذلك، فما مداه، وكيف يمكن حصره؟ ولعل ما زاد في استفحال هذا الإشكال هو تقارب مفهوم المقاولة من مفهوم الشركة.


وبالتالي ظل فكر الباحث يدنو تارة من المقاولة وتارة أخرى من الشركة دون أن يستطيع الوقوف بدقة حول خصوصيات كل منهما، وأيتهما تجب الأخرى المقاولة أم الشركة وإن كان لهما من اختلاف وتباين، فهل هذا الاختلاف يوجد أيضا حتى من حيث الوظائف؟.


فهذه التساؤلات، شتت ذهننا نحن أيضا في العديد من الأحيان، وتبادرت لذهننا في العديد من المرات، ومن ثم فما من سييل سوى محاولة الوقوف عنها، محاولين استجلاء ما أمكن، عسى أن نصيب نحن أيضا في محاولتنا هذه، من خلال البحث في النقطتين المواليتين: الفقرة الأولى: المقاولة والشركة بين المفهوم والتمييز الفقرة الثانية: المقاولة والشركة بين الوظائف المتعددة.

المقاولة والشركة بين المفهوم والتمييز

إذا ادعينا بوجود فروقات بينة بين المقاولة والشركة سواء من حيث أصل كل منهما (ثانيا)، فهذا بلا ريب يفيد في افتراض وجود اختلاف بين مفهوم كل منهما (أولا). أولا: مفهوم المقاولة والشركة.


على الرغم من التقارب بين المقاولة والشركة، إلا أن هذا لا يعكس التقارب من حيث المفهوم، فإذا كان مفهوم الشركة سهل شيئا ما، ما دام أنه قد عنيت بها التشريعات المدنية في الغالب الأعم، فمفهوم المقاولة أكثر تعقيدا مادام أنه منبعه الاقتصاد وليس القانون.

مفهوم الشركة

إذا كانت الشركة، تعد أرضية خصبة للقيام بالمشاريع الكبرى والمتوسطة في ظل الاقتصاديات الحديثة، وأهم أعمدة التقدم التجاري والصناعي الذي أحرز عليه الإنسان اليوم، وأنجع وسيلة للاستثمار وجمع الأرباح الهائلة، فهذه الأهمية هي التي جعلت التشريعات تعنى بتنظيمها وفق هيكل منظم، وهو ما يتضح مع المشرع الفرنسي الذي انتقل بالشركة من العقد في المادة 1832 من القانون المدني الفرنسي:


"Société est un contrat par lequel deux ou plusiuers personnes conviennent par un contrat d'affecter à une entreprise commune des biens ou leur industrie en vue de partager le bénéfice ou de profiter de l'économie qui pourra en résulter."

 

إلى مفهوم النظام من نفس المادة: "La société est institué....".

وهو ما لم يتخذه المشرع المغربي، من خلال تعريفه للشركة في الفصل 982 من ق.ل.ع. بعدما اعتبرها بأنها:


"عقد بمقتضاه يضع بمقتضاه شخصان أو أكثر أموالهم أو عملهم أو هما معا، لتكون مشتركة بينهم، بقصد تقسيم الربح الذي قد ينشأ عنهما."

 

فمفهوم الشركة، إذن يشير للشخص المعنوي الذي أحدث بمقتضى عقد الشركة، وباعتبارها شخصية معنوية، فالشركة، لها ذمة مالية تتكون في الأصل من الأموال التي يقدمها الشركاء أو المساهمين (حسب نوع الشركة)، وهي لا تكتسب تلك إلا من تاريخ تقييدها في السجل التجاري.


ومن هنا يتضح وجود تعریف تشريعي لمفهوم الشركة سواء في القانون الفرنسي الجديد الذي يعتبرها نظاما، أو في القانون المغربي الذي يعتبرها عقدا، ومن هنا نتساءل، هل بإمكاننا أن نجد أيضا مفهوما تشريعيا للمقاولة؟

مفهوم المقاولة

فبخلاف الشركة، فالمقاولة لم يسبق لها وان كانت محلا لأي تعريف قانوني، لأنه مفهوم اقتصادي واجتماعي أيضا، ففي المادة الاقتصادية يمكن تعريفها بأنها:"تنظيم اقتصادي في شكل قانوني محدد، يعتمد على يد عاملة بشرية، وأدوات، واليات، وراسمال، من أجل إنتاج سلعة ما، أو تقديم خدمات معينة، وعرضها في السوق للبيع لتحقيق الربح".


ومن هنا يتضح بان المقاولة هي حقيقة اقتصادية، مادامت هي آلية اقتصادية للإنتاج هدفها تحقيق الثروة، وهي أيضا حقيقة بشرية، لأنه يساعد في تحقيق غرضها العديد من اليد العاملة، إذ لولاها لما وصلت إليه، وهي أيضا حقيقة قانونية، فالمقاولة وإن لم يكن لها مفهوم قانوني، فهذا لا يعني أن يد المشرع لم تطلها من حيث التنظيم تاسيسا وإدارة وتصفية.


لكن الجديد في الأمر، أنه في الآونة الأخيرة أصبحت بعض التشريعات تحاول أن تعطي مفهوما واسعا للمقاولة، للخروج من ذلك الفراغ الذي أحدثه هذا المفهوم لصعوبة حصره، وتحديده، ولعل القانون الفرنسي خير مثال على ذلك.


ففرنسا قد شهدت مع قانون تحديث الاقتصاد في سنة 2008، أول تعريف اقتصادي قانوني لمفهوم المقاولة، وقد اعتبرها هذا القانون بانهاء"أصغر مجموعة من الوحدات القانونية التي تشكل وحدة تنظيمية الإنتاج السلع والخدمات، وتتمتع باستقلالية معينة في القرار، خاصة فيما يتعلق بتخصيص مواردها الحالية".


ولكن ورغم ذلك، فهذه المحاولة الفرنسية التي حاولت التعرض للمقاولة بالتعريف وتحديد الخصائص لم يستقر عليها إلى يومنا هذا، فبقي مفهوم المقاولة محل جدال، واختلاف، وعدم توحد الرأي حوله، لأنه إذا كان هكذا من ناحية الاقتصاد، فيكون غيره من ناحية قانون الشغل، ونفس الأمر في قوانين أخرى (القانون المدني، ومدونة التجارة.

الفرق بين المقاولة والشركة

تمييز المقاولة عن الشركة:

بعيدا عن الاختلاف البين بين أيهما قانوني، وأيهما اقتصادي، فالحقيقة أن الشركة ليست هي المقاولة قانونا، فالمقاولة بإمكانها أن تتخذ شكل شركة، مثلما هو عليه الحال بالنسبة لشركة المساهمة وشركة التضامن وشركة التوصية البسيطة والتوصية بالأسهم، فتخضع الأولى لقانون 17.95، والباقي القانون باقي الشركات 5.96، والمشرع في سياق تنويع المنتوج القانوئی ختمة للاقتصاد الوطني وتلبية لطموحات الفاعلين الاقتصاديين.


فقد احدث بجانب تلك، أنظمة قانونية أخرى، هدفها هي الأخرى تحقيق الربح دون أن تخضع النفس النظام القانوني، وإنما لأنظمة قانونية أخرى خاصة غيرها، فالمقاول الذاتي يحصره قانون 114.13، والأصل التجاري يحصره مدونة التجارة في المواد من 79 إلى 158، ويستثنى من ذلك فقط شركة ذات المسؤولية المحدودة من شريك وحيد، والتي اعتبرها مشرع قانون 5.96 شركة.


والحال أن طبيعتها وخصوصياتها تؤكد باليقين على أنها مقاولة فردية، وكان من الأنسب إخراجها من قانون 5.96 وإقحامها في مدونة التجارة أو في نظام خاص بها، مادامت باقي الشركات الخاضعة لقانون 5.96 تتوافق خصوصياتها ومضمون الفصل 982 من ق.ل.ع. مادام هذا النوع مقاولات الفردية، وليست بشركة، وهذه كلها تسمى مقاولات فردية، أما الثانية، فهي مقاولات جماعية، أو بشكل أدق، شركات تجارية من حيث الشكل.


وفي المقابل، فمهرم الشركة لا يمكن أن يجب مفهوم المقاولة، إذ هناك العديد من الشركات التي تاسس دون أن يكون بالإمكان اعتبارها مقاولة، كما هو الشأن بالنسبة للشركات المدنية العقارية.


كما أنه أيضا على مستوى قانون الشغل، توجد العديد من الشركات رغم اختلافه قانونا، إلا أنه يمكن في العديد من الحالات اعتبارها هي نفسها، ونفس المقاولة، كما هو الشان بالنسبة للوحدة الاقتصادية والاجتماعية الفرنسية (UES).

المقاولة والشركة بين الوظائف المتعددة

على الرغم من كثرة الاختلافات الموجودة بين المقاولة والشركة، ورغم جوهريتها، إلا أن هذا لا يعني أنها مختلفة أيضا حتى من حيث الوظائف، بحيث تتقاسم كل من الشركة والمقاولة، العديد من الوظائف، منها ما يتعلق بالإدارة والتسيير، ومنها ما يتعلق بجوانب مالية، وأخرى بجوانب اجتماعية، وأخرى تقنية،...


أولا: وظيفة الإدارة والتسيير

فالإدارة تعد العنصر الأكثر دينامكية في المقاولة، وتعتبر بأنها ذلك الجهاز الذي ينتمي للمقاولة، ويضم مجموعة من الأشخاص الذاتيين والمعنويين أو هما معا، هدفهم خدمة الشركة بغية تحقيق غرضها، المحدد مسبقا في نظامها الأساسي.


ومن ثم، فالإدارة والتسيير وظيفة أساسية لا يمكن غض الطرف عنها، فمادام أن الأصل من تأسيس وتحمل تبعات هذا التأسيس، فهذا يستلزم وجود إدارة فعالة، تعمل وفق مبدا حسن النية، وتعين وفق الطريقة والهيكل المرغوب فيه قانونا.


ولكن هذا لا ينقي بتاتا إرادة الشركاء أو المسيرين، مئی تعلق الأمر بمقاولة جماعية أو مسير الأصل التجاري، أو بمقاول ڈائی، اور رئیس مقاولة ذات المسؤولية المحدودة من شريك وحيد، مئی تعلق الأمر بمقاولة فردية، مع العلم أن وظيفة الإدارة تجب مهام أخرى، من قبيل التوقع (Prevoyance).


أي أن الجهاز المسير في المقاولة ينبغي أن يضع نصب أعينه ما يمكن أن تتعرض له المقاولة من صعوبات من جراء مزاولة عملها في السوق، وما الأليات والأسلحة القانونية التي ينبغي تسليح المقاولة به، وأيضا هنالك التنظيم (Organisation) استنادا للمقولة المعروفة في مجال القانون العمل بلا نظام كالسير في الظلام".


فبدون منهجية مدروسة ومحددة مسبقا، لا يمكن الحديث عن أفاق النجاح، ولكن من ناحية أخرى، فالإدارة لا تجب مهاما أخرى من قبيل المراقبة والضبط (controle)، لأنها أعمال أجهزة أخرى، ومسالة الفصل في المقاولات، كمسألة فصل السلط في الدول الديمقراطية، لا القطيعة التامة، ولا التداخل المبالغ فيه، وإنما فقط التعاون.


ثانيا: الوظيفة المالية

إنه لا يمكن تصور اليوم مقاولة كيفما كان شكلها وغرضها وطبيعتها حتى وإن كانت مدنية، أن تزاول عملها من أجل لا شيء، إذ لا شيء من هذا القبيل في عالم الاقتصاد، وإنما يكون هدفها الأول والأخير، تحقيق مباغي مالية، وتحقيق الربح، ومضاعفته، وتحقيق الثروة، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا من خلال رؤوس أموال من خلال جمعها وتوظفيها.


ثالثا: الوظيفة الاجتماعية

إن المقاولة لا يمكن أن تزاول عملها وتلقى نجاحا باهرا في معزل عن محيطها، فهناك لعبة تاثير وتائر بين المقاولة والمحيط الاجتماعي التي يحيط بها، خصوصا من حيث جانب العمال، فاليد العاملة في أي مقاولة تشكل الطاقة المحركة لها.


ولولاها لما كان وجودها حبيس السجلات لا غير، ومتي التزمت المقاولة تجاه عمالها، واوقت بما تلتزم به، فهذا بلا شك سيكون له تأثير أكثر وقعا على حياة هؤلاء، ومتى كان هناك إهمال من جانبهم وطغى الجانب المادي عن الإنساني، إلا وكانت وضعيتهم تستوجب النجدة.


ومن ناحية أخرى، فالمقاولة، كما هو معلوم في أي نظام قانوني، هي المصدر الأساسي له، والمورد الأول المنتظر من قبل الدولة الموجود بها مقر المقاولة، فالمقاولة لم تعد مجرد مشروع شخصي، وإنما مشروع وطني ترتبط به مصالح متعددة، وأولاها المصلحة الاقتصادية الوطنية، ومتى كانت المقاولة تأخذ بعين الاعتبار حقوق المواطنة فهذا سيكون له بلا شك انعكاس كبير على واقع التنمية الاجتماعية بالدولة الموجود بها مقر المقاولة.


رابعا: وظيفة تقنية

فالوظيفة التقنية، لا توجد في جميع المقاولات، وإنما في البعض منها، وهذه الوظيفة تتحقق من خلال التحضير للعمل؛ أي في كل من التحضير الفني، وإعداد الصفة، وأيضا من خلال التنفيذ للعمل في وقت واحد من قبل الأفراد، كما تتضح هذه الوظيفة ايضا من خلال عملية الضبط والمراقبة على تقدم التنفية كما ونوعا، وأخيرا من خلال الصيانة والأمان.


خلاصة

إن الخلاصة التي يمكن أن ننهي بها هذه المحاولة البسيطة، والتي من خلالها حاولنا أن تتعرض لمفهوم كل من المقاولة والشركة، وعرضنا فيها لبعض جوانب التمييز بين النظامين معا، وساءلنا بعض الوظائف التي تقمن بها، هي أن المقاولة، تنظيم اقتصادي بالأساس، قبل أن تصبح تنظيما قانونيا، وما الشركة سوى جزء من المقاولة، وان كل شركة هي مقاولة، وليست كل مقاولة شركة، ما لم تتخذ وصف الجماعية.